الخميس، 17 مارس، 2011

وائل السمرى كرّموا مبارك وقولوا نعم للترقيعات الدستورية

من الجائز أن نصوم سنين نعانى فيها من الجوع والعطش والإعياء والاشتياق إلى الحرية، لكن من غير الجائز أن نفطر على بصلة "الترقيعات الدستورية" التى لا تسد جوعاً ولا تبل ريقاً ولا تشعرنا بأن صومنا قد أتى بما اشتهته أنفسنا، وحالة الحيرة التى يعيشها المجتمع الآن بسبب رفض التعديلات الدستورية أو الموافقة عليها، وإن كانت صحية، لكنها تشير إلى أننا لم نتعلم إلى الآن درس الثورة إلى آخره، ولم نتخلص من "ثقافة الحد الأدنى" التى عودنا عليها مبارك ومن سبقوه، أولئك الذين كانوا يستمتعون بوداعتنا ويركبون فوق ظهورنا ونحن "نرضى بقليله" و"نبوس إدينا وش وضهر" على ما يتفضل علينا الأسياد به، ولا يعنى انتشار هذه الثقافة الخانعة وتوغلها أن نستسلم لها، ونؤكد على وجودها، بل أن نكافحها ونغير ما بأنفسنا حتى يغير الله ما بقوم.

بالنسبة لى تعنى الموافقة على التعديلات الدستورية الجديدة تكريماً للرئيس المخلوع "مبارك" الذى تلوثت يداه بدماء شهدائنا، وعمرت بطنه الواسعة بالمليارات المنهوبة من أقواتنا، وإن كنا ننتظر محاكمة عادلة لمبارك على فساده وإفساده وتآمره على شعبه وشعوب المنطقة العربية بأسرها من أجل تضخم سلطانه، فلا يجب أن نرضى بأن "نعدل" أو "نرقع" دستوراً كان يتكئ عليه فى حكمه الغابر.

لم تنته الثورة بعد، ولم تجف دماء شهدائنا الذين يتساقطون إلى الآن بعد عشرات الأيام التى عاشوها متألمين من أثر الإصابات، لكى ننسى أو نتناسى أشياء أحسبها من البديهيات، فإسقاط مبارك لا يعنى إزاحته جسديا عن الحكم، والأهم من هذا هو إزاحة الأسس والقوانين التى كان يقهرنا بها، لأنها فى الأصل غير شرعية ولا رسمية ولا تتمتع بأى حال من الأحوال باتفاق الشعب، ولم يستفتنا أحد عليها لنجيب بنعم أو لا، بل فرضوها علينا فرضا، ومن العبث أن نلفظ الجلاد بينما يظل سيفه وسوطه على ظهورنا ونحن له خانعين.

سأقول "لا" للتعديلات الدستورية لأنها ببساطة غير دستورية، فالدستور قد انهار فى اليوم الذى أجروا عليه الاستفتاء المزور، أى أنه فى الأساس بنى على غير أساس، والدستور قد انهار بقيام ثورة الخامس والعشرين من يناير التى قالت لمبارك وحاشيته "لا"، فمن غير المعقول أن يأتى مغتصب ليحتل بيتك ويكتب عقداً صورياً ليخضعك به، وبعد أن تنجح فى طرده تحتفظ بالعقد كما لو كان وجوده شرعيا.

سأقول "لا" للتعديلات الدستورية، لأن الدستور القائم المراد تعديله يعطى للرئيس القادم أكثر من أربعين صلاحية تصنع من الملاك شيطاناَ، وتجعل الشريف ديكتاتوراً فى طرفة عين، سأقول "لا" لأننا لم نعدم بعد من المنافقين والمداهنين وعباد السلطة، ومن المؤكد أنه إذا ما تم انتخاب رئيس وفى يده هذه الصلاحيات سيرسخون له ملكه بكتاباتهم المأجورة وأقلامهم المزيفة وكاميراتهم التى لم تكن ترى فى مصر إلا نهر النيل لتصوره فى الوقت الذى كان فيه ميدان التحرير يتعرض لأبشع هجوم أسفر عن مقتل 11 شاباً بأيدى أشياع مبارك ومؤيديه.

سأقول "لا" للتعديلات الدستورية، لأنها مازالت تحتفظ بمواد هيكلة مجلس الشعب والشورى التى تشترط أن يكون نصف نواب مصر "عمال وفلاحين" بالكاد يفقهون، وعيب على المصريين الذين صنعوا ثورة أبهرت العالم وجعلت أوباما يتمنى أن يكون الأمريكيون مثل ثوار التحرير أن يكون نصف قوام برلمانها من حملة الشهادة الإعدادية أو الدبلومات، فهل يجوز بعد كل هذا الجمال والفن والثقافة التى ظهرت بها مصر أن يكون هؤلاء هم ممثلونا فى البرلمان، وهل يجوز أن نمنح من فرطوا فى مصر بخنوعهم ومؤامراتهم وجهلهم صك الوصول إلى برلماننا الذى يجب أن يكون مثلنا لا مثل مبارك.

أقول للقانطين من الحلم من التيارات الإسلامية، والعازفين عن إتمام الحرية من أزلام الحزب الوطنى، والذين يدعون الناس إلى قول "نعم" للتعديلات الدستورية، مصر تستحق منا أن نكون مثلها، وشباب الثورة لم ينس بعد أنكم ساهمتم باستسلامكم وانسياقكم وراء الانتخابات التجميلية التى كان يجريها مبارك فى تدعيم مبارك وتجميل وجهه وتأخير الإطاحة به، فكفّروا عن خطاياكم السابقة ودعوا الناس لفطرتها، وأقول لقصارى النفس الذين يريدون أن ينهوا حالة الترقب والحذر والحيرة التى نعيشها: "صبرنا كثيراً ولم تعد بصلة الترقيعات ترضى من ضحوا بأرواحهم ليفطروا عليها بعد صيامهم"، وأقول للجميع لا تجهضوا روح الثورة باستسلامكم لتعديل الدستور، وإن انفترت روح الثورة التى لم نعد نملك إلاها فسنقول على مصر يا رحمن يا رحيم".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق